عبد الرحمن بدوي

89

أرسطو عند العرب

للأسباب الواقعة والممكنة وطرق الاعتبار للأوائل . ثم لقائل أن يقول إن الشيخ قد استفاد في استعمال العقل دربة ، فصارت آلاته ، وإن ضعفت في طباعها ، أقوى في دربتها قوة ولذلك الشيخ المدرّب أقوى في صناعاته واستعماله لها من الشاب الذي يدرب . فالجواب أن الدربة إنما يتحصل لها حكم من جهتين [ 159 ا ] : أحدهما أن هيئات التحريكات الصادرة بالإرادة تتمثّل في الخيال أشد ، فيكون وجه استعمالها عند الوهم أحضر . والثاني أن الأعضاء تستفيد بذلك حسن تشكل تستعد به لهيئات التحريك . وليس يمكن أن يقال هذا في باب المعقولات . فإن العقل أيضا ، وإن سلمنا أنه يعقل بتحريكات لآلات ، فليس يستحفظ في النفس خيالا لشئ منها ، كما يستحفظ لهيئات اليد والقدوم ونحوه . ولا أيضا يمكن أن يقال إنه يستعين بآلات حاسية عاصية يفيدها الاستعمال طاعة . فإنه وإن سلمنا أن العقل بفعل بتحريك ، فليس بتحريكات مستعصية ، ولذلك فإن الصحيح الفطرة الأصلية يسرع في العلوم فيميز فيها على الاستواء . وإن كان بعض الناس يحتاج أن يراض من جهة التفطن لمعاني الألفاظ ، ومن جهة معاوقة من خياله ومعارضة منه لعقله ، حتى يفهم الحال في ذلك ، فيعقله ويستوى في أدنى مدة وأخف كلفة . ثم يقول : وأما التمييز - وقد عرفنا ما يريد به - والمحبة والبغضاء فليست عللا أي آثارا وانفعالات لذلك ، أي للنفس الأصل . لكن إنما هي علل وآثار لهذا البدن الذي له ذلك النفس الأصل من حيث له ذلك ، أي ولو لم يكن له ذلك لكان لا يصلح أن يتأثر بهذه الآثار . قال : ولذلك إذا فسد هذا - أي البدن - لم يبق لذلك الذي هو النفس أن يتذكر أو أن يحب ، فإن هذا لم يكن لذلك ، بل للحالة المشتركة التي بينهما . ويشبه أن يعنى به الوهم والتخيل أو قوة الشهوة ونحو ذلك . فإن أمثال هذه هي أشياء بدنية نفسانية معا ، لأن قوامها في البدن وفيضها من النفس الأصل ، على مذهب الرجل وهو المذهب الحق . قال : فأما قوة العقل فخليق أن تكون شيئا إلهيا وشيئا لا يتأدى بالانفعالات الجسمانية . ويجوز أن يكون يعنى بالعقل هاهنا ، الجوهر العاقل ، وهو النفس الناطقة . ويجوز أن يكون يعنى به الأثر النفساني والصورة التي ترتسم فيه . ويجوز أن يعنى به الفعل النفساني الخاص به ، وهو التصرف في المعقولات . ويجب أن تعلم أنه ليس يعنى بالمحبة والبغضة إلا الحيوانية